زكي مبارك
125
عبقرية الشريف الرضي
وكذلك الشريف ، فهو لم يكتف في وصف موسم الحج بقصيدة أو قصيدتين أو ثلاث قصائد أو سبع قصائد ، وإنما قال وأعاد ، ثم قال وأعاد حتى بلغت قصائده في الحنين إلى موسم الحج نحو الأربعين . وأنتم تدركون أيها السادة خطر هذا الاسراف ، فقد كان كفيلا بأن يسوقه إلى مدارج الابتذال ، ولكن الشاعر ظل قويا ، وظلت معانيه جديدة على الزمان ، فهو في حجازياته قادر على أن يبهر بيرون وجوت وميسيه ، ومن إليهم من الشعراء الذين جعلوا الحب شريعة إنسانية لها من الشعر فرقان وإنجيل . وإني لأخشى أيها السادة أن أكون بهذه الإشارة ظلمت الشريف فالشعراء العشاق في فرنسا وانجلترا وألمانيا والنمسا وإيطاليا عاشوا في بلاد لا تدعي أنها تحرس الدين والتقاليد في الأندية الأدبية ، أعني أنهم نظموا قصائد الحب في بيئات يغلب عليها المرح ، ويصرفها الفتون ، فالشاعر كانت تسوقه المغريات إلى التشبيب ، والملاح اللائي يدرن الأندية الأدبية إدارة الكؤوس كنّ يطلبن بالقول أو بوحي الملاحظ أن تكون لهن سيرة كالجدائل المعطرة في قصائد الشعراء ، فلم يكن من المستغرب ولا المستبعد أن تتسع مذاهب القول في وصف الوسامة والجمال . أما الشريف فكان ينظم الحجازيات في مواطن لا يجوز فيها رفث ولا فسوق ، وينشدها بين أقوام يصطحبون ويغتبقون بالتسبيح والتكبير والتهليل . فأنصفوا الحق أيها السادة واعترفوا بأن الحجازيات ما كانت تصدر عن شاعر يعيش في بيئة مثقلة بالتحرج والتعفف والتنسك إلا إن كانت جذوات صدره أقوى وأعنف من أن تطفئها شآبيب التحنف بين زمزم